محمد بن جرير الطبري

470

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله تعالى : { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ } قال أبو جعفر : يعني بقوله : ( ما يود ) ، ما يحب ، أي : ليس يحب كثير من أهل الكتاب . يقال منه : " ود فلان كذا يوده ودا وودا ومودة " . * * * وأما " المشركين " ( 1 ) فإنهم في موضع خفض بالعطف على " أهل الكتاب " . ومعنى الكلام : ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم . * * * وأما ( أن ) في قوله : ( أن ينزل ) فنصب بقوله : ( يود ) . وقد دللنا على وجه دخول " من " في قوله : ( من خير ) وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون في أوله جحد ، فيما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . ( 2 ) * * * فتأويل الكلام : ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان ، أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزله عليكم . ( 3 ) فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته ، وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك ، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين . وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين ، والاستماع من قولهم ، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم ، باطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد ، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون . * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة : " وأما المشركون " ، والصواب ما أثبت . ( 2 ) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 126 ، 127 ، وكان ينبغي أن يذكره في تفسير الآية : 102 أو يحيل كما أحال هنا . ( 3 ) كان في المطبوعة : " الذي كان عند الله ينزله عليهم " ، ولا يستقيم الكلام إلا كما أثبتنا .